هل تشكل الكثافة السكانية عائقًا أمام التنمية فعلًا؟

مشاكل وحلول 0 geek الوسوم:
Spread the love

في كثير من دول العالم، غالباً ما يروج صناع القرارين السياسي والاقتصادي لفكرة مفادها أن ارتفاع معدل الخصوبة يؤثر سلباً على الاقتصاد ويعيق محاولات تنميته. وعلى هذا الأساس يدعمون برامج تهدف لخفض معدل الخصوبة وهو ما يعني تباطؤ النمو السكاني، مفترضين أن تلك الإجراءات من شأنها الحد من الفقر.

غير أن هذا الاعتقاد لم يعد يحظى بشعبية بين خبراء الاقتصاد كما كان الحال في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث ظهر في العقدين الأخيرين الكثير من الأدلة التي تتحداه وتقوض أسسه، وتوضح أن النمو السكاني وغيره من العوامل الديموغرافية ليس لها صلة إلى حد كبير بالفقر.

معسكران

لنرجع خطوة إلى الوراء ونستعرض وجهات النظر السائدة حول علاقة النمو السكاني بالفقر. وهناك بالفعل وجهتا نظر متضاربتان حول طبيعة العلاقة بين هذين العنصرين.

المعسكر الأول، والذي تزعمه الإنجليزي “توماس مالتوس” في القرن الثامن عشر يعتقد أن معدل الخصوبة المرتفع هو قرين الفقر الذي لا يفارقه، وأن خفض ذلك المعدل هو الحل الأساسي لمشكلة الفقر. وفي سعيهم لدعم حجتهم، يشير أنصار ذلك المعسكر إلى أن النمو السكاني يضغط بشكل كبير على وسائل الإنتاج وخاصة الأرض، والتي تخضع لقانون الغلة.

بعد ما يقرب من قرن ونصف من أطروحة “مالتوس”، وعندما تسارعت معدلات النمو السكاني قي البلدان النامية نتيجة لارتفاع معدل الخصوبة وانخفاض الوفيات أخذ أتباع “مالتوس” – والذين أطلق عليهم اسم “المالتوسيون الجدد” – مساراً آخر.

لقد زعموا أن معدلات المواليد المرتفعة والتي نتج عنها ارتفاع عدد الأطفال بالنسبة للبالغين العاملين، تسببت في تحويل الأسر لمدخراتها ناحية تلبية احتياجاتها الفورية من الغذاء والمسكن والرعاية الصحية، وهي ذات الأموال التي كان من الممكن استثمارها في مشاريع البنية التحتية وغيرها من الاستثمارات طويلة الأجل اللازمة للمساعدة في انتشالهم من الفقر.

باستخدام هذه الحجة، لعب “المالتوسيون الجدد” دوراً رئيسياً خلال الستينيات والسبعينيات في الجهود الرامية إلى حث الدول المتقدمة الغنية على تقديم مساعدات مالية لدعم برامج تنظيم الأسرة التي تديرها حكومات البلدان النامية.

هل النمو السكاني فعلاً هو المشكلة؟

على الطرف الآخر من الطاولة يجلس المعسكر الآخر الذي يعتقد أنصاره أن السياسات الاقتصادية هي وحدها القادرة على الحد من الفقر، مؤكدين على أن كون الفقر منتشرا في البلدان التي تشهد معدلات خصوبة مرتفعة لا يعني بالضرورة أن العلاقة بين هذين العنصرين علاقة سببية.

بل على العكس، قد تسير العلاقة بين النمو السكاني والفقر في الاتجاه المعاكس. بمعنى أن الفقر يمكن أن يكون سبباً في ارتفاع الخصوبة، حيث إن الفقراء غالباً ما يريدون إنجاب المزيد لأن الأطفال في الواقع شكل من أشكال الثروة بالنسبة لهم، فهم يساعدون في العمل المنزلي وفي نفس الوقت يعتبرون الشكل الوحيد للضمان الاجتماعي المتاح لهم في شيخوختهم.

علاوة على ذلك، شكك الاقتصاديون فيما إذا كان انخفاض معدلات النمو السكاني يؤثر بشكل إيجابي فعلاً على المدخرات والاستثمارات. فقد أشاروا إلى أن تضاعف أعداد السكان في البلدان النامية في الفترة ما بين عامي 1950 و1985 لم يمنع الكثير من هذه البلدان من تحقيق قفزات هائلة في مستويات المعيشة.

خلصت دراسة صادرة عن المجلس القومي للبحوث بالولايات المتحدة في مارس/آذار 1986 إلى أنه على الرغم من أن النمو السكاني وغيره من العوامل الديموغرافية قد يلعب دوراً في تحديد احتمالات التقدم الاقتصادي للدول إلا أنه يظل في النهاية ذا أهمية محدودة بالمقارنة مع عوامل أخرى.

بحسب الدراسة، فإن التأثير السلبي المزعوم للنمو السكاني المتزايد على التنمية الاقتصادية يتضاءل أمام عوامل أخرى أكثر أهمية مثل سوء السياسات الاقتصادية والفساد وغياب الحكم الرشيد والفشل في استغلال موارد البلاد الطبيعية والتقاعس عن تنمية مواردها البشرية.

هذه الدراسة المهمة، والتي صدرت تحت عنوان “النمو السكاني والتنمية الاقتصادية: أسئلة سياساتية” تقوض الأساس المنطقي الذي تقوم عليه برامج تنظيم الأسرة التي يروج لها من الناحية الاقتصادية كضرورة من أجل معالجة مشكلة الفقر.

بحلول تسعينيات القرن الماضي، لم يعد الكثير من الاقتصاديين يعتقدون أن عامل النمو السكاني مهم. ويرى هؤلاء أن القرارات المتعلقة بحجم الأسرة والتناسل هي قضية خاصة لا يجب أن تكون محل تخطيط بيروقراطي حكومي، وأنه يجب تركها للناس الذين ستتحدد خياراتهم وفق تفاعلهم مع قوى السوق.

أي المعسكرين على حق؟

في الحقيقة، كلاهما على حق! فببساطة، إن الفريقين – سواء من “المالتوسيين الجدد” أو نقادهم – اللذين يسعيان إلى نفس الهدف وهو المتمثل في الحد من الفقر قد خانهما التقدير حين اعتقدا أن استراتيجيتهما الخاصة ستكون بمثابة الحل السحري للمشكلة.

أولاً: إن برامج تنظيم الأسرة وحدها لن تؤدي بالضرورة إلى الحد من الفقر في البلدان النامية. وفي نفس الوقت هناك أدلة تشير إلى أن تباطؤ معدل نمو السكان من الممكن أن يسهم في تعزيز التنمية الاقتصادية ولكن بشرط اقترانه بسياسات اقتصادية سليمة ومنصفة.

ثانياً: في حين أن القرارات المتعلقة بالخصوبة والإنجاب هي مسألة خاصة بالأفراد وحق لا ينازعهم فيه أحد، إلا أنه يظل هناك دور للسياسة العامة للدولة. ففي كثير من البلدان، يمكّن مقدمو الخدمات العامة النساء من التحكم في سلوكهن الإنجابي من خلال توفير المعلومات والوسائل الآمنة والفعالة لتنظيم الخصوبة.

باختصار شديد: إن برامج تنظيم الأسرة يمكنها أن تساعد في الحد من مستويات الفقر في البلدان النامية، غير أنها ليست العامل الوحيد ولا حتى الأكثر أهمية حين يتعلق الأمر بالحد من الفقر.

على سبيل المثال، في السبعينيات كان النمو الاقتصادي في أمريكا اللاتينية أبطأ بكثير مقارنة مع منطقة شرق آسيا، وذلك على الرغم من أن الأولى شهدت في تلك الفترة انخفاضاً سريعاً في معدلات الخصوبة، على عكس الثانية التي شهدت نمواً سكانيًا متزايدًا.

لاحقاً، أوضحت الدراسات أن السبب الرئيسي وراء هذا التباين هو فشل أو تقاعس دول أمريكا اللاتينية عن الاستثمار في التعليم.

أخيراً، إن هذا التقرير لا يهدف ولا يحاول حتى أن يحسم ذلك الموضوع، لأنه كان وسيظل مثيراً للجدل، ولكننا فقط أردنا أن نشير إلى أن من يبالغ في الربط بين النمو السكاني والفقر ومن ينكر وجود علاقة بينهما كلاهما على خطأ.

الكاتب geek

geek

مواضيع متعلقة