هل الإنسان شرير بطبعه؟

عام 0 geek4arab الوسوم:

 

من الأسئلة الدينية والفلسفية التي شغلت الكثيرين سؤال هل الإنسان خيّر بطبعه أو شرير؟ واختلفت التيارات الفلسفية فيما بينها في الإجابة عن هذا السؤال الذي تنبني عليه الكثير من الأمور في علاقة الإنسان بخالقه جل وعلا، وعلاقته بالآخرين، وبالبيئة المحيطة به، ومن هنا تأتي أهمية معرفة الإجابة عن هذا السؤال لكي يحدد كل فرد منا طريقه في هذه الحياة وطبيعة علاقته مع الآخرين.

الإنسان شرير بطبعه

هذا التيار يُغلب الجانب الشرير في الإنسان على الجانب الخيّر، وهو موقف الكنيسة الكاثوليكية، لأن الإنسان في تصورها يرث ذنب آدم وحواء لأكلهما من الشجرة، ويعبر عنه أيضًا ما حكاه القرآن الكريم عن موقف الملائكة من خلق آدم عليه السلام، يقول الله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. سورة البقرة: 30.

ويدل عليه أيضًا الشرور المنتشرة في العالم اليوم من ظلم وقتل وتعذيب وتشريد وسرقة واغتصاب وانتهاك للحريات والحقوق، فهذا الكم الهائل من الشرور يؤكد على ميل ونزوع البشر نحو الشر، يقول المتنبي:

الظُلمُ مِن شِيَمِ النُفوسِ فَإِن

تَجِد ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظلِمُ

 

ويقول جبران خليل جبران:

الخير في الناس مصنوع إذا جبروا

والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا

الحياد

التيار الثاني يرى أن الإنسان يولد صفحة بيضاء، لا يعرف الخير أو الشر والبيئة المحيطة به لها الكلمة العليا، وهي التي تُشكل سلوكه تجاه الآخرين، وتدفعه إما ليكون خيرًا أو شريرًا، ونظرية الحياد لا تفسر سبب نزوع النفس الإنسانية تجاه الخير أو الشر، وهذا التيار يُغفل دور الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والتي تدعوهم إلى الإيمان والتحلي بالأخلاق الفاضلة، يقول الله عز وجل: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30).

وفي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه،- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يُهَوِّدانِه، أو يُنَصِّرانِه، أو يُمَجِّسانِه، كمثلِ البَهِيمَةِ تُنْتِجُ البَهِيمَةَ، هل ترى فيها جَدْعَاءَ”، صحيح البخاري: 1385.

الإنسان خيّر بطبعه

التيار الثالث يرى أن الإنسان خير بطبعه، وأن هذا هو الأصل، وأن الشر طارئ على الإنسان وليس متأصلا فيه، ويرى بعضهم أن الخير كامن في الروح، وأن البدن هو مصدر الشر، وبعضهم يقول إن “البدن سجن الروح”.

ولو كان الإنسان خيّرًا بطبعه لسهل عليه القيام بالأوامر والانتهاء عما نهى الله عز وجل، ولكن الإنسان يفعل ذلك بمجاهدة النفس التي تأمر بالسوء وتميل إلى الشهوات وإلى الطغيان والتفلت من الأوامر، يقول الله عز وجل: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} سورة يوسف: 53.

ويقول الله عز وجل: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} سورة العلق: 6-7.

الإنسان بين الخير والشر

اقتضت حكمة الله -عز وجل- وجود الزوجية والثنائية في الكون وفي المخلوقات، فهناك الصغير والكبير، والذرة والمجرة، والموت والحياة، والليل والنهار، والجنة والنار، وهذه الحكمة متجسدة في خلق الإنسان، فهناك المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، واللين والقاسي.

والله عز وجل أودع في نفس الإنسان نوازع الخير والشر، وهذا هو أصل الاختبار والابتلاء في الدنيا، يقول الله عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} سورة الشمس: 7-10.

ويقول الله عز وجل: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}، سورة البلد: 10.

ووجود نوازع الخير والشر في الإنسان نراه في التدافع بين الناس -أفرادًا وجماعات- ولولا هذا التدافع لفسدت الأرض، يقول الله عز وجل: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}، سورة البقرة: 251.

ويقول تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} سورة الملك: 1-2.

ويقول الله عز وجل: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا} سورة النساء: 79.

ويقول الله عز وجل: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} سورة الروم: 41.

ووجود نوازع الخير والشر في نفس الإنسان والاستعداد للميل لأحدهما له حكمة إلهية، وهو جوهر الابتلاء والاختبار للإنسان في هذه الحياة، والتقوى تتحقق من خلال سعي الإنسان وجهاده للحفاظ على الفطرة التي فطره الله عز وجل عليها، وإظهار جوانب الخير في النفس الإنسانية وكبح جماح النوازع الشريرة فيها، وهو ما يسمى بجهاد النفس الذي يبلغ به العبد المراتب والدرجات العليا عند الله عز وجل.

 


الكاتب geek4arab

geek4arab

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة