كيف تكتسب الثقة في نفسك؟! [5] الإنطلاقة المزدوجة

الانطلاقة المزدوجة:

 

في يوم من الأيام قيل لأحد فحول الرجال: ‘لنا حويجة’, تصغير حاجة, أي جئناك تقضيها لنا, فرفض وقال: ‘اطلبوا لها رجيلاً’. هكذا كان أسلافنا أمثلة رائعة ونماذج حية لتقدير الذات والتفكير بطريقة إيجابية, وليس ذلك فقط, بل هذا الرجل السيد قد عرف إمكانيات نفسه جيدًا وعرف نقاط قوته وكيف يستغلها, ولذا فقد نذر نفسه لمعالي الأمور لا سفاسفها ولشئون عظام لا لشئون ضعاف, ولذا لما قيل له: ‘لنا حويجة’ كان رده على البديهة وفي الحال: ‘اطلبوا لها رجيلاً’, ولعلنا من هذه الجملة البسيطة نرسم معالم الانطلاقة المزدوجة إلى الثقة المتناهية بالنفس, هذه الانطلاقة المزدوجة هي الخطوة الخامسة على طريق وصولنا إلى ‘الثقة بالنفس’.

 

 

 

الخطوة السادسة: الانطلاقة المزدوجة: تطوير نقاط القوة لديك والتغلب على نقاط ضعفك:

 

قبل أن تنطلق لا تنس أن الله هو الذي أعطاك نقاط قوتك لتشكره عليها، وتعمل بها في طاعته, وهو الذي ابتلاك بنقاط ضعفك لتزكي نفسك منها ولتتغلب عليها.

 

قال تعالى: {وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}, وقال تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

 

إن معاني الاستغفار والتوبة، والتضرع إلى الله ودعاؤه، هي القاعدة الأساسية التي تخرج منها الانطلاقة المزدوجة لتزداد نقاط قوتك في القوة ولتتغلب على نقاط الضعف.

 

 قال تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود:52].

 

فبالاستغفار والتوبة تزداد قوة إلى قوتك.

 

قال تعالى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون:75، 76].

 

فبالتضرع يرفع العقاب النازل من عند الله. يُرفع ما يُعاني منه الإنسان، والدعاء سلاح المؤمن.

 

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه, فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:186].

 

وها هو أبو نواس الذي كان قد أطلق عليه شاعر الخمر والنساء والذي ملأ الدنيا عربدة بشعره، أراد أن يتوب فسخر الناس منه، ولما ضاقت به الدنيا وأحس أنه لا ملجأ من الله إلا إليه أطلق هذه الأبيات:

 

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة         فقد علمت بأن عفوك أعظم

 

إن كان لا يرجوك إلا محسن           فمن الذي يرجو ويخشى المجرم

 

أدعوك رب كما أمرت تضرعًا         فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم

 

مالي إليك وسيلة إلا الرجا              وجميل عفوك ثم أني مسلم

 

 

قوة إلى قوة

 

الركن الأول في انطلاقتك المزدوجة هو التعرف على نقاط القوة لديك وتطويرها.

 

يقول جوردون بايرن: ‘لا شيء يجتلب النجاح كالنجاح’.

 

وهكذا إذا نجحت أخي الكريم في أي تجربة فهذا النجاح يؤدي إلى نجاح بعده إلى نجاح ثالث ثم رابع هكذا، ولذا فمن اليوم احرص على أن تنجح في أي تجربة, وأي تجربة نجحت فيها داوم على عملها، ففي كل مرة تصنع هذه التجربة بنجاح تكسب مزيدًا من الثقة بنفسك يؤهلك لأن تقدم على شيء أدق وأكبر ويضمن لك حظاً من النجاح فيه.

 

إن تجارب النجاح التي عشتها تعتبر الحصيلة التي تدل على قدراتك وإمكانياتك ونقاط قوتك ولذا فمن اليوم تذكر و أحصِ جميع تجارب نجاحك. وكما يقول المثل: ‘انظر إلى نصف الكوب الممتلئ’.

 

وإذا فعلت ذلك ستجد نفسك أكبر قيمة مما تظن:

 

–        لك زوجة تحبك وتشاركك الحياة.

 

–        لك صديق يخلص لك عشرته.

 

–        لك قلب يخفق بعاطفة الرحمة وحب الخير.

 

–        لك مبدأ قد تضحي من أجله.

 

–        لك شهادة حصلت عليها بعد عناء ومذاكرة وسهر.

 

–        لك رياضة متفوق في ممارستها.

 

–        لك مهارات اجتماعية جيدة مع الآخرين وعلاقات وطيدة بهم.

 

–        لك أناس أخذتهم بالكثير من خبراتك وتجاربك وكنت سببًا في نجاحهم.

 

–        وأخيرًا وليس آخر الأمر: لك أنك مسلم.

 

ومما زادني شرفًا وتيهًا                   وكدت بأخمصي أطأ الثريا

 

دخولي تحت قولك يا عبادي              وأن صيرت أحمد لي نبيًا

 

ارجع وأحص مرات نجاحك, ستجد نفسك نسيت الكثير والكثير، وستجد نفسك أكثر جاذبية وأكثر لباقة مما تظن.

 

سجل كل هذا كتابة وضعه في ملف وسمّه ملف الثقة بالنفس, ومن اليوم أيها الأخ احرص على أن يكون لك دائمًا تجارب ناجحة، وفي بداية الأمر ابدأ بأشياء صغيرة, اختر دائمًا شيئًا تستطيع بإذن الله أن تقوى عليه وتنجح فيه، وبالتدريج ثقتك بنفسك ستزيد وستتعود على النجاح في كل تجربة.

 

 ولتعلم أيها الأخ أن العقل البشري دائمًا يبني على آخر تجربة مهما كانت بسيطة والنجاح سيقودك إلى نجاح بعده.

 

 

يقول جوردون بايرن: إن افتقاد الثقة بالنفس مرجعه في الأغلب إلى الفشل في أعمال سابقة، أعرف رجلاً يدعى جيم ماكدونالد أقيل من عمله لسوء صحته. ورغم أن معاشه كان يكفيه للعيش هو وزوجته إلا أن ثقته بنفسه تحطمت نتيجة لإحساسه بأنه غدا لا يصلح لشيء! وقدمت له زوجته يومًا صورة لحفيدها وسألته أن يجرب تلوينها، وعكف الرجل على هذا العمل ونجح! وجر النجاح نجاحًا آخر ورويدًا استعاد ثقته بنفسه إذ وجد أخيرًا عملاً يسعه أن ينجح في أدائه.

 

وهناك شيء في النهاية يجب أن ننبه إليه ألا وهو وقوع كثير من الناس في الخطأ وذمهم لأنفسهم أمام الناس، وكثرة حديثهم عن ضآلة حظوظهم في الحياة، وحجتهم في ذلك الخوف من الاتهام بالفخر والرغبة في الشهرة!!

 

مع أن القائل صدق حين قال: ‘من ذم نفسه بين الناس فقد مدحها, وهل يستحب أن يأتي إنسان إلى فعل وهو يرتدي أحقر ما عنده من الثياب ليرى الناس نقائصه وأوجه الضعف فيه’.

 

ويقول الدكتور أكرم الرضا: ‘وأظن أن حكمة الله تعالى في النهي عن الفاحشة، عدم الشعور بالضعف أمام الذنوب, والاحتجاج بأن الناس كلهم يفعلونها فتسهلها على المتساهل’.

 

 

قال تعالي: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:19]

 

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ‘كل أمتي معافى إلا المجاهرين, وإن من المهاجرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا, وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه’.

 

هذه الآية وهذا الحديث يظهران لك أيها الأخ أن عليك أن تخفي عيوبك ولا تكشفها حتى لا تستلذ العيوب وتستهويها فلا تستطيع إلا أن تعيش فيها. بل هناك مواقف تحتاج إلى إظهار بعض إمكانياتك لتثبت من حولك في المواقف الصعبة وتغرس فيهم روح الثقة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

 

 وفي الختام نرجو منك أيها الأخ أن تجلس مع قريب أو صديق لك أمين لتجري معه هذا التقييم لنفسك. والهدف من التقييم أن تتعرف على نقاط قوتك فتقويها أكثر، وعلى نقاط ضعفك فتتخلص منها، وتتعرف على صفاتك الشخصية. فعليك بتوجيه هذه الأسئلة لقريبك أو صديقك.

 

1- ما أهم القدرات التي أتمتع بها في اعتقادك؟

 

2-ما أكثر الأمور التي تُعجب بها في شخصيتي؟

 

3- ما النواحي التي تعتقد أنني بحاجة إلى تحسينها وتطويرها؟

 

4- أرجو أن تصفني باختصار ‘بجملة واحدة أو أقل’:

 

  • عاطفي

 

  • اجتماعي

 

  • عقلي

 

 

نسأل الله تعالى أن يؤتي نفوسنا تقواها

 

وأن يزكيها هو خير من زكاها

 

وإلى لقاء قريب

 

ـــــــــــــــــــــــــــ

 

أهم المراجع:

 

1-أتح لنفسك فرصة         جوردون بايرون

 

2- إدارة الذات                  د أكرم رضا

 

3- تطوير احترام الذات         كوني فلادينو

 

4- المنطلق                       محمد أحمد الراشد

الكاتب geek

geek

مواضيع متعلقة