ثورة الكنز الفاطمي – الخفقة الأخيرة

الزمان/ 7 صفر ـ 570هـ

 

المكان/ أسوان ـ الديار المصرية

 

الموضوع/ صلاح الدين الأيوبي يقضي على محاولة إحياء الدولة الفاطمية بمصر

 

الأحداث/ مقدمة:

 

تختلف الرؤى عند القائمين على شأن الدعوة الإسلامية في قضية هامة تمثل عصب العمل الإسلامي إلا وهي كيفية إقامة الدولة الإسلامية؟ وكيفية تغيير الوضع القائم؟ فالبعض يرى أن ذلك يتم عن طريق القوة والبعض يرى أن يتم ذلك عن طريق السيطرة على المجالس والهيئات والبعض يرى أن يتم ذلك عن طريق التربية من القاعدة الشعبية ومنها إلى القمة, والحق أن مسألة تغيير الواقع وإقامة الدولة المسلمة لا تأتي إلا بالتنسيق والتعاون بين هذه الرؤى كلها فواحدة منهم لا تكفي مهما كانت درجة جودتها وخبرة القائمين عليها, فالتربية هي الأصل والجهاد هو الدرع والسيطرة هي الذراع, وتاريخنا يشهد لصحة ما نقول.

 

شاور وضرغام:

 

كانت الدولة الفاطمية في عهد خليفتها ‘العاضد’ قد دخلت طور النهاية بعد أن جثمت على صدور المسلمين عامة ومصر خاصة, تنفث سمها وتنشر شرها وكفرها بين الناس وتناوئ الدولة العباسية وتتحالف مع أعداء الإسلام, وكل ذلك وهي متدثرة بلباس التشيع البالي الذي جر على الأمة الإسلامية الويلات والنكبات منذ أن ظهرت الشيعة, وكان وزير الدولة وقتها رجل شرير اسمه ‘شاور’ وقد أفسد في الأرض حتى قام عليه رجل آخر اسمه ‘ضرغام’ جمع الجموع وحاربه حتى انتصر عليه, و’العاضد’ لا يملك من الأمر شيئًا.

 

أرسل ‘شاور’ إلى السلطان العادل نور الدين محمود الملقب بالشهيد يستصرخه ويطلب منه المساعدة فوجد فيها نور الدين الفرصة السانحة التي لا تعوض من أجل القضاء على الدولة العبيدية الخبيثة فأرسل كبير قواده ‘أسد الدين شيركوه’ بجيش كبير إلى مصر وقد اصطحب أسد الدين معه في الجيش ابن أخيه ‘صلاح الدين’ ونجح الجيش الجديد في هزيمة ‘ضرغام’ وإعادة ‘شاور’ مرة أخرى للوزارة ولكنه ما لبث أن اتصل بصليبي الشام وطلب منهم القدوم إلى مصر لاستشعاره الخوف من نور الدين وأسد الدين وشكه في نواياهم تجاه مصر.

 

انقلب السحر على الساحر وكان قدوم الصليبيين إلى مصر وبالاً على ‘شاور’ حيث استغاث ‘العاضد’ بنور الدين وطلب منه المساعدة فعاد أسد وصلاح الدين مرة أخرى إلى مصر وطردا الصليبيين وقضى أسد الدين على شاور ومن معه, وأصبح أسد الدين وزيرًا للعاضد وذلك سنة 564هـ, ولكنه لم يهنأ بالوزارة سوى شهرين فقط من الزمان حيث اعتراه مرض شديد توفي على إثره رحمه الله وحل صلاح الدين مكانه في الوزارة.

 

صلاح الدين وفقه المصلحة:

 

ربما يتعجب كثير من الناس كيف يقبل صلاح الدين أن يعمل وزيرًا لدى الفاطميين ألد أعداء الإسلام؟ ولكن هذا العجب سيزول إذا عرف أن صلاح الدين ما قَبِل هذا العمل إلا ليصل إلى ما خطط إليه من قبل نور الدين محمود ألا وهو إزالة الدولة الخبيثة, حيث عمل صلاح الدين على تقوية السنة ونشر العلم  والفقه وعين قضاة في البلاد على المذهب الشافعي وأخذ في تقليم أظافر الفاطميين شيئًا فشيئًا حتى استطاع الناصر صلاح الدين إزالة الدولة الفاطمية بالكلية في 2 محرم سنة 567هـ, بعد أن دامت هذه الدولة أكثر من قرنين من الزمان.

 

بدأ صلاح الدين في إزالة عادات وشعائر الروافض فأبطل الأذان على طريقة الشيعة ‘حي على خير العمل’ وعزل كل قضاة الفاطميين ومنع الاحتفالات الشيعية بعاشوراء وغدير خم, وعادت الديار المصرية سنية مرة أخرى, ولم يكن ذلك ليعجب بقايا فلول الفاطميين وشيعتهم التي كانت تنتفع من قيام ووجود الكيان الرافضي بمصر.

 

محاولات الاسترجاع:

 

كانت أولى محاولات الاسترجاع وإحياء الدولة الفاطمية قام بها عبد حبشي لدى الفاطميين كان يعمل أمينًا لقصر الخليفة الفاطمي وكان يدعى ‘مؤتمن الخلافة’ حيث اتفق مع بعض اليهود وبقايا الفاطميين بعد موت الخليفة العاضد الفاطمي على مكاتبة الصليبيين بالشام واستقدامهم إلى مصر على أن يساعدهم في الهجوم على صلاح الدين ومن معه من الخلف, ولكن هذه المؤامرة اكتشفت سريعًا بفضل الله عز وجل ويقظة جند وحراس صلاح الدين, وقتل ‘مؤتمن الخلافة’ الخائن وكان كما قلنا عبدًا حبشيًا, فثار من أجله كل العبيد السود الأحباش بمصر, وكانوا أكثر من خمسين ألفًا ودارت معركة كبيرة بينهم وبين صلاح الدين وجيشه واستطاع صلاح الدين أن ينتصر عليهم ويقمع فتنتهم.

 

كانت ثاني المحاولات ما قام به بقايا الفاطميين يقودهم الشاعر ‘عمارة اليمني’ وقد كتبوا أيضًا إلى الصليبيين يدعونهم للقدوم وتعاون معهم رجال من سلالة الفاطميين وقاضي قضاة الفاطميين ‘الفضل بن عبد الله’ وداعي دعاة الفاطميين ‘ابن عبد القوي’ ومعهم منجم نصراني كان قد بشرهم بأن هذا الأمر سيتم بعلم النجوم, وهكذا نرى أن اليهود والنصارى لهم في كل مؤامرة ضلع ولكن كشفت هذه المؤامرة وأعدم قادتها واحتاط على سلالة العاضد وأمر صلاح الدين بنفي من بقي من جيوش العبيديين إلى أقصى البلاد حيث النوبة, وكان هذا النفي هو السبب في الثورة المشهورة بثورة الكنز.

 

ثورة الكنز الرافضي:

 

الكنوز في الأصل بطن من قبيلة ‘ربيعة’ العريقة وقد استقروا حول مدينة أسوان وفي بلاد النوبة ثم اختلطوا بالنوبيين وتزوجوا منهم, وكنز الدولة هذا لقب منحه لأول مرة الخليفة العبيدي الضال ‘الحاكم بأمر الله’ لحاكم النوبة في عهده ‘أبي المكارم بن محمد بن علي’ عندما ظفر بالثائر ‘أبي ركوة’ وصار هذا اللقب لحاكم النوبة يورث من جيل لآخر والحكم والإمرة في بيتهم وكلهم يعرفون بكنز الدولة وآخرهم الذي قام بالثورة أيام صلاح الدين.

 

بعدما قضى صلاح الدين على المحاولة الثانية لإحياء الدولة الفاطمية قام بنفي بقايا الجنود الفاطميين إلى بلاد النوبة كما ذكرنا, وهذا النفي شجع ‘كنز الدولة’ لأن يفكر في الثورة وإعادة الدولة الفاطمية فأخذ في التدبير لتلك الثورة, ودعا العبيد السود الذين حاولوا الثورة أول مرة وفشلوا للانضمام إليه؛ فاستفحل أمره وعلا شأنه حتى قام بثورته وقتل الوالي من قبل صلاح الدين على مدينة ‘أسوان’ وكان هذا الوالي أخا الأمير أبي الهيجاء السمين أشهر وأشجع قادة صلاح الدين فكان لهذه الفعلة أثر شديد على نفس صلاح الدين وجنوده.

 

قرر صلاح الدين إرسال أخيه الأمير أبي بكر محمد بن أيوب على رأس جيش كبير لقمع هذه الثورة التي استفحلت وعظم خطرها وكان مع كنز الدولة أعداد هائلة من السودان الثائرين وهذا دفعه للاغترار بقوته وعدم التحوط عند القتال, فاستخدم أبو بكر معه أسلوب الحرب الصاعقة, وانقض على معسكره عند مدينة ‘طود’ القريبة من أسوان وذلك في 7 صفر سنة 570هـ, وبعد حرب شديدة انتصر أبو بكر وجيشه على الثائرين وقتل كنز الدولة وقادة جيوشه وانفض الجمع من حوله وانتهت فتنته.

 

وللعلم أن سلالة كنز الدولة هذا استمروا في المنطقة وكان لهم السيطرة التامة على الصعيد في العصر المملوكي, ولا زالت قبيلة الكنوز تعيش حتى اليوم في المنطقة المعروفة بوادي حلفا, وكانت هذه الثورة بمثابة الخفقة الأخيرة لبقايا الفاطميين الرافضة، ولم تقم لهم بعدها قائمة بمصر ولن تقم إن شاء الله عز وجل

الكاتب geek

geek

مواضيع متعلقة