"البصمة الكربونية".. جريمة الشركات والأفراد تبحث عن علاج

جاء إقرار المؤسسات الاقتصادية الدولية لمفهوم “التنمية المستدامة” كأحد أشكال الاعتراف بأن النمو الاقتصادي الذي شهده العالم خلال عقود طويلة مضت كان له آثار سلبية فادحة سواء من حيث غياب العدالة في توزيع الدخل أو الإخلال بمقاييس الإنتاج والاستهلاك أو حتى على البيئة.
 
لذا فقد بدأ مفهوم آخر في الظهور والانتشار مؤخرًا وهو “الاستهلاك المستدام” والذي يدعو إلى الترشيد في الاستهلاك بحيث لا تتعرض الموارد إلى ضغوط شديدة ترفع من أسعار بعضها، بل وتهدد بعضها بالنفاد التام.
 

 
ما هي البصمة الكربونية؟
 
ولعل مفهوم البصمة الكربونية أحد أهم المصطلحات التي ظهرت للاستدلال على فكرة “الاستهلاك المستدام”، ويعتمد على فكرة قيام كل شخص بعمل “حساب” لنفسه يرصد فيه استهلاكه من الوقود مثلًا، ونسبة استهلاكه من غاز الطعام، بالإضافة إلى نسبة اللحوم على حساب النباتات في غذائه.
 
وما يزيد من تفاقم ظاهرة تأثير “البصمة الكربونية” أنه مع التنمية الاقتصادية يزداد أثرها، فمع ازدياد الدخول الحقيقية في العديد من الدول، يستطيع الفرد أن ينفق بصورة أكبر على الوقود وعلى الغذاء، بل والأخطر من ذلك أن التكلفة النسبية للإنفاق على كليهما تتضاءل قياسًا بالإنفاق على بقية العناصر بما يجعل الإسراف في الطعام والوقود ممكنًا بالنسبة للكثيرين.
 
وتشير دراسة لجامعة “لاند” السويدية، إلى أن غالبية الدول التي شهدت طفرات في التنمية مؤخرًا (مثل الهند والبرازيل ودول شرق أوروبا) تزايدت فيها البصمة الكربونية للمواطنين بنسب تربو على 70% في المتوسط بما يؤشر لزيادة كبيرة للغاية في معدلات استهلاك المواد الغذائية والوقود.
 
وبناء عليه بدأت حملات في الدول المتقدمة لاستخدام وسائل النقل العام بدلًا من السيارات الخاصة، لما في ذلك من تقليل للانبعاثات الكربونية التي يصدرها كل شخص، والاقتصاد في أكل اللحوم لما تصدره الحيوانات التي يتم تناولها من انبعاثات خلافًا للنباتات التي تعمل على امتصاص الانبعاثات.
 
ولتقليل أثر “البصمة الكربونية” أقرت مجموعة من المؤسسات بعض القواعد التي تساعد على تقليل حدتها، ومن بينها ما اتفقت عليه عدد من الجامعات الكبرى في الولايات المتحدة في فرض رسوم لاستخدام مرأب الجامعة على أن يتم توجيه المبالغ المحصلة لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري.
 

 
الشركات هي الأهم
 
وعلى الرغم من أهمية البصمة الكربونية “الفردية”، بمعنى مساهمة الفرد في الانبعاثات الحرارية إلا أنه لا يمكن مقارنتها بحال بما تبثه الشركات، حيث يكشف موقع “فورتشن” أن 100 شركة فحسب حول العالم تتسبب في 71% من الانبعاثات الكربونية، وفي مقدمة هذه الشركات المنتجة للنفط في مختلف أنحاء العالم، وللفحم ولا سيما في الصين والهند.
 
ولعل هذا ما دفع جمعيات حماية المستهلكين في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي ألمانيا وعدد من الدول المتقدمة، إلى إعداد قوائم بالشركات التي تراعي البيئة وتلك التي تلوثها، حيث تحث المستهلكين على الشراء من الثانية وتجنب الأولى، بما أثر على سلوك الكثير من الشركات مؤخرًا.
 
ولعل ذلك يبرر مبادرة قامت بها حوالي أكثر من 100 شركة في السويد تلزم فيها تلك الشركات نفسها بمعايير بيئية تفوق ما تطلبه الحكومة السويدية سعيًا للفوز بثقة المستهلكين فيها.
 
خطوات عملية
 
وتضرب مجلة “فورتشن” بخمس شركات المثل في مكافحة تفاقم ظاهرة البصمة الكربونية وآثارها السلبية على البيئة:
 
– جنرال إلكتريك: تعد الشركة إحدى كبريات الشركات المولدة للطاقة الكهربية في العالم، وتقوم بعمل مولدات متعددة المراحل لتوفير استهلاك الوقود وبالتالي تقليل الانبعاثات، واستثمرت الشركة حوالي 17 مليار دولار في الأبحاث المتعلقة بالطاقة المتجددة، والتي تركز فيها على طاقة الرياح تحديدًا.
 
– نايكي: على الرغم من تخيل كثيرين أن مثل تلك الصناعة قد لا تكون ملوثة للبيئة إلا أنه في الواقع أن بقايا صناعة الملابس ولا سيما من المواد الصناعية تسبب ضررًا كبيرًا للبيئة، ولذلك تعمل الشركة على إعادة تدوير تلك المخلفات بشكل مستمر بل وقامت بعمل مبادرة لجمع المخلفات الصناعية من الشركات المماثلة.
 
– يونايتد تكنولوجي: وهي شركة تعمل في تصنيع محركات الطائرات والمصاعد وعدد من الآلات الأخرى، وزادت من استثمارات تصنيع محركات أكثر كفاءة وأقل استهلاكا للوقود بما يوفر 16% من الانبعاثات الصادرة من محركات الطائرات وهي أحد أهم أسباب التلوث.
 

 
– تسلا: ليس هناك حاجة للحديث عن الشركة التي تقود التغيير في العالم في أحد أكثر المجالات تلويثًا للبيئة وهو صناعة السيارات نحو سيارات كهربائية غير ملوثة.
 
– ديدي الصينية: وهي الشركة التي اشترت توكيل “أوبر” في الصين، وعدلت نظام مشاركة رحلات السيارات، حتى أنها خلال عام واحد استطاعت تقليص مليون رحلة يوميا  كان من الممكن أن تكون رحلات منفردة وتم استخدامها بشكل ثنائي مما خفف كثيرًا من الانبعاثات.
 
وتتوقع “تايم” أن تكون هناك منافسة خلال السنوات المقبلة بين الشركات على “إقناع” المستهلكين بدورهم في الحد من البصمة الكربونية، وبأنها لا تهدف فقط لجمع الأرباح ولكنها أيضًا تسعى للحفاظ على الحياة والبيئة، في ظل تنامي الوعي بين المستهلكين بأهمية الحد من الانبعاثات الكربونية.

الكاتب geek

geek

مواضيع متعلقة