تستثمر الولايات المتحدة الأميركية مليارات الدولارات سنوياً في مجال العلاقات العامة، ومؤخراً أصبحت روسيا والصين منافسين شرسين في هذا الاستثمار، ولا يمكن إغفال دولة الإمارات أيضاً حيث تهدف هذه الدول من خلال الاستثمار إلى ضمان صورة ذهنية وسمعة جيدة عن الدولة سواء للمجتمع المحلي أو المجتمع العالمي، اخترت مفردة استثمار وليس إنفاقاً لأن جهود العلاقات العامة هي جهود استثمارية ذكية تضمن علاقة جيدة بين المجتمع وحكوماته ومؤسساته كما أنها تعود بالنفع في رفع معدل الرضى والولاء لدى الجمهور المستهدف مستخدمة القيم الصادقة والنبيلة، فكما يقول روك فلير رجل الأعمال الأميركي الشهير: “بعد أن تفعل شيئاً جيداً سيكون الأهم هو أن تبلغ الناس بأنك فعلت هذا الشيء الجيد” وهذه قاعدة مهمة يتبقى فقط اختيار الطرق المناسبة والفعالة لكيفية وضع ذلك الإبلاغ في قالب مناسب ومؤثر وذكي يجعل المتلقي في حالة شعورية جيدة ويصنع انطباعاً إيجابياً في ذهنه بطريقة جديدة وليست بطريقة تقليدية غير مؤثرة كما تفعل كثير من المؤسسات الحكومية، المملكة اليوم هي بحاجة ماسة لممارسة العلاقات العامة بالطريقة العميقة غير التقليدية، أن تستوعب المؤسسات الحكومية والخاصة والخيرية أن هذا العلم له أثر بالغ في تحديد نجاح وتميز المنشأة من عدمها لأن الجماهير اليوم هي مالكة القرار الأول في تحديد نجاح المنشآت لذا لم تعد العلاقات العامة خياراً مساعداً بل ركناً لا يقوم نجاح أي مؤسسة إلا به، يقول بيل غيتس مالك شركة مايكروسوفت الأميركية وأحد أثرياء الأرض: “لو تبقى من ثروتي دولار واحد فقط لصرفته على جهود العلاقات العامة” وهذه المقولة تعكس وعياً عالياً جداً لدى هذا الرجل كقائد إحدى المؤسسات الأكثر نجاحاً في العالم عن القوة الضاربة للعلاقات العامة في إمكانية تأثيرها ونجاحها وفي ظل رؤية المملكة 2030 وكل تلك الجهود التي تبذل مؤخراً والقرارات لصالح نمو المملكة يزداد الاحتياج للعلاقات العامة لكسب تأييد الجماهير وجعلهم محور نجاح هذه الرؤية والانتباه المستمر لما يقولون تجاهها وما يعبرون به عنها حتى تحصل على النجاح الفعلي وليس الشكلي، وفي ظل حرب المملكة العسكري على الحد الجنوبي والموقف السياسي والإعلامي من قطر تقف العلاقات العامة كـأقوى الأدوات التي تجعل صورة المملكة العربية السعودية شامخة في أعين الإعلام المحلي والعربي والعالمي من خلال بناء إستراتيجيات الظهور الإعلامي الاحترافي وصناعة المحتويات التي تعكس أهدافاً مباشرة وضمنية وكذلك تطوير ما يتم من مؤتمرات صحفية حساسة لتعطي انطباعاً أقوى بكثير مما قد يمارس حالياً، وكذلك العناية بالتصريحات والظهور الإعلامي للشخصيات الاعتبارية على الإعلام التقليدي أو الجديد، العناية بالجماهير هو أمر حساس جداً يستوجب الوعي العالي والدراسة البحثية المستمرة لكل توجهاته وآرائه وهو صلب هذا العلم حتى يحصل التناغم المنشود بين الجهات وجماهيرها لتحقيق الثقة والولاء الفعلي كأعلى أهداف العلاقات العامة والوصول للقرارات الصائبة الملائمة للتقبل والتبني، اليوم نحن بحاجة إلى العناية بهذا العلم والاستفادة من كل التجارب العالمية على كافة الأصعدة السياسية والأمنية والسياحية والرياضية لأن ما يحدث حالياً هي اجتهادات نحتاج لأن تتحول لحالات إيجابية مثالية في ممارسة العلاقات العامة بالشكل الذي يحدث الأثر الحقيقي لصالح المؤسسات والجماهير ولتحقيق المنفعة التبادلية التي تقود لوجود جدار منيع من الثقة والولاء والعلاقة الإيجابية، أولى هذه الخطوات أن يكون كل قائد واعياً بهذا العلم ويعتني به ومن ثم معرفة الكفاءات الجيدة والاستفادة منها لأن هذا العلم ليس كما كان سابقاً يقبل الاجتهاد البحت ولكنه أصبح اليوم علماً عميقاً يتطلب المعرفة الجيدة الحديثة والممارسة الدقيقة لكل سلوك يصدر من المنشآت أو شخصياتها، في أميركا لا يُرشح لإدارات الاتصال والعلاقات العامة إلا من لديه الكفاءة العالية لأنها أكثر الأقسام حساسية فهي تتعامل مع الجماهير وتتواصل معهم بينما في السعودية يحال لها الموظف الذي لا يريد أن يعمل ولا فائدة منه فتبقى تلك الجهات وشخصياتها في سبات عميق بسبب هذه القرارات

  • أكاديمي ومستشار إعلامي